•
September 8, 2026
القوة القاهرة والظروف الطارئة في مواجهة العقود

تعتبر العقود هي الشريان النابض للتعاملات التجارية والمدنية، فبمجرد أن تتلاقى إرادات الأطراف، تولد التزامات متبادلة يهدف كل طرف من خلالها إلى تحقيق غاية معينة، سواء كانت توريد بضاعة، أو تقديم خدمة، أو سداد مبالغ مالية. لكن الواقع العملي كثيراً ما يضع هذه "القوة الملزمة للعقد" أمام اختبارات قاسية تفرضها أحداث خارجية خارجة عن السيطرة، مما يضطر القانون للتدخل لإعادة التوازن المفقود عبر مسارين دقيقين يفرقان بين ما هو "مستحيل" وما هو "مرهق".
المسار الأول يتجسد في حالة "الاستحالة المطلقة" أو ما يعرف قانوناً بالقوة القاهرة. في هذه الحالة، يصطدم تنفيذ العقد بجدار مسدود نتيجة حدث خارجي، غير متوقع، ويستحيل دفعه أو تفاديه، كالزلازل المدمرة التي تهدم المنشآت أو الحروب الشاملة التي تقطع السبل. هنا، يجد المدين نفسه في وضع لا يملك فيه القدرة الفيزيائية على الوفاء بالتزامه مهما بذل من جهد. وبناءً عليه، يقرر القانون أثراً حاسماً وهو انقضاء الالتزامات المتقابلة بقوة القانون؛ فلا يجوز للدائن المطالبة بالتنفيذ المستحيل، كما لا يحق له طلب التعويض لأن عدم التنفيذ لم يكن ناتجاً عن تقصير المدين بل عن سبب أجنبي، وينتهي العقد بالفسخ التلقائي لعدم وجود "محل" ممكن للتنفيذ.
أما المسار الثاني، فيتعلق بحالة "الإرهاق الفادح" والتي تُعرف بنظرية الظروف الطارئة. في هذا المشهد، لا يزال تنفيذ العقد ممكناً من الناحية المادية، ولكنه صار عبئاً مالياً مدمراً يهدد المنفذ بالخراب بسبب حادث استثنائي عام، مثل انهيار مفاجئ وصارخ في قيمة العملة أو وباء عالمي عطل سلاسل الإمداد ورفع التكاليف بشكل جنوني. وهنا، لا يميل القانون إلى فسخ العقد تلقائياً، بل يمنح القاضي أو المحكم سلطة استثنائية للتدخل وتعديل شروط التعاقد. فبدلاً من ترك طرف واحد يغرق في خسائره، يتم إنقاص الالتزام المرهق أو زيادة المقابل المادي، بما يضمن توزيع الخسارة بين الطرفين وإحقاق العدالة العقدية التي تضمن استمرار العلاقة دون إجحاف.
وفي كِلا المسارين، يظل مبدأ "حسن النية" هو الحارس القضائي الذي يمنع استغلال الأزمات. فليس كل صعوبة عابرة تمنح الطرف الحق في التحلل من وعوده؛ إذ يفرق القضاء بصرامة بين العائق الحقيقي الذي لا يمكن تجاوزه وبين مجرد التقلبات التجارية العادية. فإذا ثبت أن أحد الأطراف يتذرع بالقوة القاهرة للتهرب من مسؤولياته، فإن القانون لا يتردد في إلزامه بالتنفيذ مع فرض تعويضات عن التأخير، تأكيداً على أن الأصل هو الوفاء، وأن الاستثناء لا يُقاس عليه إلا في أضيق الحدود ولأسباب قاهرة فعلاً.
